الآلوسي
148
تفسير الآلوسي
إليه قلباً في ضمن القول أو بدونه فيعصمك من شره ، أو سمع أي مجيب دعاءك بالاستعاذة عليم بما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه ، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله فيجازيه عليها ، والآية على ما نص عليه بعض المحققين من باب * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) فلا حجة فيها لمن زعم عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وسوسة الشيطان وارتكاب المعاصي . وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " ، وقال آخرون : إن نزغ الشيطان بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن اعتراء الغضب المقلق للنفس ، وفي الآية حينئذٍ زيادة تنفير عن الغضب وفرط تحذير عن العمل بموجبه ، ولذا كرر صلى الله عليه وسلم النهي عنه كما جاء في الحديث ، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لذلك وتنبيه على أنه من الغوائل التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل . * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) * . * ( إنَّ الَّذينَ اتَّقَوُا ) * استئناف مقرر لما قبله من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين والإخلال بها شنشنة الغاوين ، أي إن الذين اتصفوا بتقوى الله تعالى * ( إذَا مَسَّهُمْ طَئفٌ منَ الشَّيْطان ) * أي لمة منه كما روي عن ابن عباس ، وتنوينه للتحقير ، والمراد وسوسة ما ، وهو اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله ، وجعل الوسوسة طائفاً للإيذان بأنها وإن مست لا تؤثر فهم فكأنها طافت حولهم ولم تصل إليهم . وجوز أن يكون من طاف طيف الخيال إذا ألم في المنام فالمراد به الخاطر . وذهب غير واحد إلى أن المراد بالطائف الغضب . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . والكسائي . ويعقوب ( طيف ) على أنه مصدر أو تخفيف من طيف من الواوي أو اليائي كهين ولين . والمراد بالشيطان الجنس لا إبليس فقط ولذا جمع ضميره فيما سيأتي * ( تَذَكَّرُوا ) * أي ما أمر الله تعالى به ونهى عنه ، أو الاستعاذة به تعالى والالتجاء إليه سبحانه وتعالى ، أو عداوة الشيطان وكده * ( فَأذَاهُمْ ) * بسبب ذلك التذكر * ( مُبْصُرونَ ) * مواقع الخطأ ومناهج الرشد فيحترزون عما يخالف أمر الله تعالى وينجون عما لا يرضيه سبحانه وتعالى ، والظاهر أن المراد من الموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقاً ، وقال بعض المحققين : إن الخطاب في قوله سبحانه وتعالى : * ( وإما ينزغنك ) * الخ أما أن يكون مختصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر فالمناسب أن يراد بالمتقين المرسلون من أولي العزم ، أو يكون عاماً على طريقة " بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " ، أو خاصاً يراد به العام نحو * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) * ( الطلاق : 1 ) فالمتقون حينئذٍ الصالحون من عباد الله تعالى انتهى . ولا يخفى أن الملازمة في الشرطية الأولى في حيز المنع والعموم هو المتبادر على كل حال ، وزعم بعضهم أن المراد بالمتقين المنسوب إليهم المس غير الأنبياء عليهم السلام ، وجعل الخطاب فيما سبق خاصاً بالسيد الأعظم صلى الله عليه وسلم وادعى أن النزغ أول الوسوسة والمس لا يكون إلا بعد التمكن ، ثم قال : ولذا فصل الله سبحانه وتعالى بين النبي عليه الصلاة والسلام وغيره من سائر المتقين فعبر في حقه عليه الصلاة والسلام بالنزغ وفي حقهم بالمس ، وقد يقال : إن اهتمام الشيطان في الوسوسة للكامل أكمل من اهتمامه في الوسوسة لمن دونه فلذا عبر أولاً بالنزغ وثانياً بالمس . * ( وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) * . * ( وَإخْوَانُهُمْ ) * أي إخوان الشياطن الذين لم يتقوا وذلك معنى الإخوة بينهم ، وهو مبتدأ